ابن ميثم البحراني

12

شرح نهج البلاغة

جزء من المال فإنّ بقائه زيادة فيه وعدمه نقصان منه . وجوابه من وجهين : أحدهما أن يقال إنّه عليه السّلام لم يرد هاهنا مطلق الزيادة والنقصان في المال بالنسبة إلى المال . فإنّ الضميرين المنصوبين في يزيده وينقصه عايدان إلى الشخص المعبّر عنه بأحدكم المأمور بالإنفاق ، وإنّما أراد الزيادة والنقصان فيه الَّذين لا يعتبر تأثيرهما في صلاح حال الإنسان وعدم صلاحه ، فإنّ الفضل الزائد في مال الإنسان على القدر الَّذي يدفع ضرورته بحسب الشريعة ليس زيادته معتبرة في صلاح حاله ، ولا نقصانه معتبرا في فساد حاله فلا يزيده إذن إن أمسكه ، ولا ينقصه إن أهلكه . وهذا كما يقول الإنسان لمن يريد أن يسّهل عليه أمرا حقيرا يتشدّد في طلبه : إنّ هذا الأمر لا يضرّك إن تركته ولا ينفعك إن أخذته أي بالنسبة إلى صلاح حالك . الثاني أنّه يحتمل أن يريد الزيادة والنقصان في الثواب والأجر في الآجل ، والثناء والذكر في العاجل أي لا يزيده صلاح حال عند اللَّه ، وعند الناس يكون سببا لفساد حاله : أمّا عند اللَّه فلأنّ إمساك الفضل من المال عمّن له إليه ضرورة من عباد الله سبب للشقاء العظيم والعذاب الأليم في الآخرة لقوله تعالى « وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والْفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ » ( 1 ) وأمّا عند الناس فعليك بمطالعة مقالاتهم في ذمّ البخل والبخلاء . وكذلك لا ينقصه أي لا المعطى ينقص من صلاح حاله : أمّا عند الله فلمّا وعد به أهل الإنفاق في سبيله من الأجر الجميل والثواب الجزيل كقوله تعالى « الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا ولا أَذىً الآية » ( 2 ) ونحوها ، وأمّا عند الناس فلمّا اتّفقوا عليه من مدح أهل الكرم والسخاء وملأوا به الصحف من النظم والنثر فيهم . فأمّا قوله : ومن يقبض يده عن عشيرته . إلى آخره . فمعناه ما ذكره السيّد الرضيّ وهو أنّ الممسك خيره عن عشيرته إنّما يمسك عنهم نفع يد واحدة ، فإذا احتاج إلى نصرتهم قعدوا عن نصرته وتثاقلوا عنه . فمنع ترافد الأيدي الكثيرة ، إلَّا أنّ هذا البيان يحتاج إلى تقرير ، وهو أنّ الإنسان لمّا كان انتفاعه بالأيدي الكثيرة أتمّ وأولى بصلاح حاله ، وأكثر من النفع الحاصل له بقبض يده عن النفع بها . وجب عليه أن يستجلب بمدّ يده بالنفع مدّ الأيدي الكثيرة إلى

--> ( 1 ) 9 - 34 ( 2 ) 2 - 264